بنج كلي: لما الدراما تفوقنا من غيبوبة المسلسلات المكررة

بعد فترة طويلة من المسلسلات اللي شبه بعضها، جه مسلسل بنج كلي على منصة شاهد عشان يعمل صدمة إيجابية للمشاهد. العمل اللي كتبه محمد سليمان عبد المالك وأخرجته نادين خان، مكنش مجرد مسلسل طبي تقليدي، لكنه قدم معالجة جريئة فككت الصورة الكلاسيكية للدكتور، وخدنا في رحلة جوه ممرات مستشفى الأمل الحكومي، حيث صرير الأجهزة الطبية ممتزج بصراعات بشرية عميقة.
الذكاء في السيناريو كان في تحويل غرفة العمليات من مجرد مكان بارد لـ مسرح إثارة وغموض (Thriller). والشرارة بدأت لما مريض نطق بسر جنائي خطير وهو بيفوق من التخدير الكلي، ودي كانت الحركة اللي دمجت النوع الطبي بالنوع البوليسي والتشويقي بشكل انسيابي ومميز.
لو بصينا على بناء الشخصيات، هنلاقي مفارقات نفسية ذكية جداً. الدكتورة دعاء، اللي بتلعب دورها سلمى أبو ضيف، طبيبة تخدير شابة بتحاول تهرب من نفوذ والدها الجراح الشهير وصاحب مستشفى استثماري ضخم، اللي بيقوم بدوره كمال أبو رية، عشان تثبت كفاءتها في مستشفى حكومي إمكانياته محدودة بس صراعاته كتير. وفي المقابل بنشوف الدكتور عزازي، اللي بيقوم بدوره دياب، وهو جراح حاد وسريع الغضب وابن بيئة شعبية كادحة. التناقض ده بين الطبقة الاستثمارية والحكومية، وبين النفوذ والعصامية، نقل المسلسل من مجرد حكاية عاطفية لتشريح طبقي واجتماعي بيناقش أخلاقيات المهنة وتسليع الطب والتنمر.
الرؤية البصرية لنادين خان كانت نقطة تحول أساسية، لأنها رفضت الديكورات الكرتونية الفخمة اللي بنشوفها في مسلسلات كتير اليومين دول، وقررت تصور في مستشفى حقيقي. الاختيار ده خلى الكاميرا تتحرك بحرية في ممرات ضيقة ومعتمة، وده عكس بصرياً حالة الضغط النفسي والإنهاك اللي بيعيشه الأطباء والمقيمين. استخدام الزوايا القريبة وتتبع حركة الممرضين خلى الإيقاع مشدود جداً، كأنه دقات قلب مريض تحت التخدير.
طبعاً الواقعية دي كانت سلاح ذو حدين؛ لأنها رفعت توقعات المتخصصين، وفعلاً حصل جدل واسع بين أطباء التخدير اللي رصدوا بعض السقطات المهنية في آلية التخدير وتوزيع الصلاحيات بين الطبيب والتمريض. بس بعيداً عن التفاصيل الفنية، فضلت الحبكة متماسكة وقادرة تحافظ على ثقة المشاهد العام.
على مستوى التمثيل، شفنا قفزات فنية واضحة. دياب في دور الدكتور عزازي بذل مجهود كبير في تقمص شخصية الجراح العصامي وقدر يشيل العمل على كتافه، رغم إن بعض أدائه كان فيه لمحة نمطية من شخصياته القديمة اللي بتعتمد على الحدة والصرامة الصوتية والحركية، وده عمل تناقض مع السلوك المعتاد للأطباء. أما سلمى أبو ضيف، فخرجت من أدوار الفتاة الأنيقة وقدمت طبيبة تخدير مجهدة وشاحبة، ومشتتة بين إثبات ذاتها والعبء النفسي للأسرار اللي بتسمعها في غرف الإفاقة.
لكن القيمة الفنية الحقيقية والضمانة الدرامية للمسلسل كانت في أداء جيل الأساتذة. محسن محيي الدين في دور فؤاد منصور قدم تجلي تمثيلي فريد، وكان ركيزة فكرية في الأحداث بهدوئه ووقاره وصوته المخملي، وجسد ببراعة الأب الروحي والضمير المهني. وسلوى محمد علي أثبتت إنها قادرة تسرق الكاميرا بمجرد ظهورها، بوعي وثقل فني وانفعالات مضبوطة بدقة، رفعت بيها الخطوط الجانبية في المسلسل. وكمان كمال أبو رية أجاد في تجسيد دور الجراح المستأثر بالنفوذ وصراع السلطة الأبوية. وبالطبع، الثلاثي علا رشدي ومحمد مهران ولبنى ونس أضافوا حيوية ومصداقية لبيئة المستشفى الحكومي بأدائهم التلقائي.
من ناحية نقدية، المسلسل وقع في فخ تداخل الاختصاصات؛ فالدكتورة دعاء (طبيبة التخدير) ظهرت وكأنها محقق جنائي واجتماعي بيتحرك برا جدران غرف العمليات، وده عكس الواقع العلمي والإداري اللي بينتهي فيه دور طبيب التخدير بمجرد استقرار حالة المريض. لكن صناع العمل وظفوا الثغرة دي بذكاء كبوابة درامية عشان يكشفوا التشوهات الاجتماعية وجذور الجريمة والعنف الأسري في المجتمع، فبقت المستشفى مجرد مراية للشارع، وطبيب التخدير هو العين اللي بتشوف الخطايا دي.
ومقدرش ننسى دور الموسيقار خالد الكمار، اللي عمق أجواء الإثارة النفسية بموسيقى بعيدة عن الصخب، اعتمدت على نوتات متباعدة بتعزز غموض الاعترافات اللي بتتقال تحت تأثير البنج، وكأنه راوٍ صامت بيوجه مشاعرنا لترقب اللحظة الجاية.
تفتكروا ممكن نشوف دراما طبية تانية تتجرأ وتصور في أماكن حقيقية بدل الديكورات المبهرة؟
